الدار البيضاء-سعيد اليوسفي
القيادة هي أن تأخذ الجميع معك ..بهذه العبارة التي كرّرتها نزيهة بلقزيز في لقاء مفتوح مع قادة الفكر والمال ألقت الضوء على جوهر فكرها القيادي: القيادة ليست منصبا فخما يكتسب فحسب، بل مسؤولية تأسيس ثقافة مؤسسية تلهم الجميع، وتحول الرؤية إلى واقع نبيل تتقاسمه المؤسسة ومجتمعها.
في نونبر 2024، شكل تعين بلقزيز لحظة فارقة في تاريخ القطاع البنكي المغربي، حين استدعي اسمها لتولي رئاسة مجموعة البنك الشعبي المركزي، مؤسسة مصرفية تمتد جذورها لأكثر من قرن وتعد من أبرز الأعمدة الاقتصادية بالمملكة كانت هذه الخطوة أكثر من مجرد تغيير في القيادة: كانت إشارة إلى بداية مرحلة جديدة تتطلب تمازج الكفاءة المؤسسية، الرؤية الاستشرافية، والحوار الاجتماعي البناء في أوقات يشهد فيها النظام المالي تحولات عميقة تشمل الرقمنة، وضغطا متزايدا على الربحية، وتنافسا إقليميا متعاظما.
خبرة قيادية رصينة
نشأت بلقزيز في بيئة مهنية مغايرة عن النمط التقليدي، إذ بدأت مسارها المهني منذ مطلع التسعينيات في البنك التجاري المغربي الذي تحول لاحقا إلى جزء من مجموعة التجاري وفابنك ، حيث اكتسبت خبرتها الأولى في التمويل البنكي وتحليل المخاطر وتدبير الموارد المالية، مجسدة تدرّجا احترافيا استراتيجيا في أدوار تتطلب رصانة فكرية وقدرة على الفهم العميق للسوق.
تدرّجت في مناصب متقدمة داخل المجموعة البنكية من الإشراف على تمويل الاستثمار والعقار والسياحة إلى قيادة التحليلات الاقتصادية، حتى وصلت إلى موقع كبيرة الاقتصاديين وهو موقع من القلائل الذين يطلعون من داخله على الانعكاسات العميقة للسياسات المالية على المسارات الاقتصادية الوطنية، قبل أن يمتد امتدادها إلى مجال حوكمة الشركات والاستشارة، مما أتاح لها القدرة على دمج المعرفة البنكية مع ممارسات الإدارة الرشيدة والشفافية المؤسسية.
وفي لقاء لها ضمن سلسلة مبادرات “CFA Mornings” التي نظمها نادي المديرات الإداريات بالمغرب، أكدت بلقزيز أن الثقة في الذات والفضول وإتقان فهم البيئة المحيطة هي عوامل أساسية في بناء قيادة فاعلة، مشددة على أن النجاح لا يقاس فقط بالنتائج المالية، بل بقدرة المؤسسة على تمكين الموارد البشرية ودعم ثقافة الأداء الجماعي.
إدارة مالية متقنة
مع مجيئها إلى صدارة قيادة البنك الشعبي المركزي، ركزت بلقزيز على بناء توازن دقيق بين الفعالية الداخلية والإشعاع الخارجي ، ففي تقرير سنوي صدر عن مجلس الإدارة لسنة 2025، حققت المجموعة نموّا ملحوظا في صافي الناتج البنكي والأرباح الموحدة، وهو ما يعكس قدرتها على إدارة المخاطر وضبط الموارد التشغيلية في بيئة مالية تتطلب دقة عالية في التنفيذ.
على الساحة الإفريقية، باتت البنوك المغربية، ومن بينها البنك الشعبي ، من بين أبرز الفاعلين على مستوى القارة، سواء عبر التمويل المبتكر للمشاريع الإنتاجية أو من خلال مبادرات قوية مثل “جهويات الاستثمار” التي أطلقها البنك تحت إشراف بلقزيز في 2026، والتي جمعت بين ممثلين من الحكومة والمؤسسات المالية لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتنشيط الاستثمار الجهوي.
كما سعت بلقزيز إلى تعزيز آليات الحوكمة المؤسسية من خلال تعيين كفاءات متخصصة، من بينها عادل رزال مديرا عاما للمخاطر في المجموعة في ديسمبر 2025، في خطوة تعكس التزامها بالتركيز على مقاربة احترافية لإدارة المخاطر المادية والائتمانية داخل المؤسسة.
نمو اقتصادي متوازن
يحتل البنك الشعبي اليوم موقعا متقدما في القطاع البنكي المغربي، حيث يعد ثاني أكبر بنك بعد “التجاري وفا بنك” من حيث الحجم والتأثير، وفي الوقت نفسه يمتد حضوره إلى الأسواق القارية بأكثر من 30 دولة مع ملايين العملاء، ما يجسد قدرة قيادية على مزج الطموح المحلي بالإقليمي.
وجامعت بلقزيز بين الهوية التعاونية التاريخية للبنك ورؤية اقتصادية حديثة تُولي أهمية كبرى لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع الشمول المالي، وتقديم حلول مصرفية تلائم متطلبات العصر الرقمي مع الحفاظ على قاعدة ثقة العملاء والمستثمرين على حد سواء ، كما لعبت قيادتها دورا في تعزيز الاندماج البنكي مع المبادرات الاقتصادية الوطنية، ما يمنح المؤسسة موقعاً فاعلا في دعم النمو الاقتصادي الشامل.
إنها رؤية تعمل على إعادة تعريف دور البنك الشعبي لا كمؤسسة مالية فحسب، بل كفاعل اقتصادي ذو تأثير مجتمعي واسع رؤية قوامها التحول البنكي الذكي، الحكامة الرشيدة والشمول المالي المستدام، مما يجعل من نزيهة بلقزيز إحدى أبرز الوجوه القيادية في المشهد البنكي المغربي، ومرجعاً للقيادة النسائية المؤثرة في إفريقيا.