سعيد اليوسفي-الرباط
أعادت هدنة الحرب في الشرق الأوسط خلط أوراق سوق الطاقة الدولية، بعدما سجلت أسعار النفط تراجعا حادا دفعها إلى النزول دون عتبة 100 دولار للبرميل، في تحول سريع يعكس حساسية السوق لأي انفراج جيوسياسي. هذا التطور يفتح، نظرياً، الباب أمام انخفاض مرتقب في أسعار المحروقات بالمغرب، بعد موجة زيادات متتالية أثقلت كلفة النقل والإنتاج.
ففي الساعات الأولى التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار، فقد خام “برنت” نحو 14.84 دولارا ، ليستقر عند 94.43 دولارا للبرميل، بينما تراجع خام “غرب تكساس” بحوالي 16.13 دولاراً إلى 96.82 دولارا. هذا الانخفاض الحاد يأتي بعد فترة ارتفاعات قوية، إذ قفزت الأسعار بنحو 70 في المائة منذ اندلاع التوترات نهاية فبراير، مدفوعة بمخاوف اضطراب الإمدادات، خاصة مع التهديدات التي طالت مضيق هرمز.
بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين حاجياته من الطاقة، فإن أي تراجع في الأسعار الدولية يفترض أن ينعكس مباشرة على السوق الداخلية، خصوصا في ظل تحرير أسعار المحروقات منذ 2015. غير أن التجربة السابقة تظهر أن هذا الانتقال لا يتم بالسرعة ولا بالحدة نفسها، ما يطرح إشكال فعالية المنافسة داخل السوق الوطنية.
خلال فترة الحرب، شهدت أسعار المحروقات في المغرب زيادتين متتاليتين وبمستويات مرتفعة، تجاوزت في مجموعها ثلاثة دراهم للتر الواحد بالنسبة للغازوال، وقرابة ثلاثة دراهم للبنزين. هذه الزيادات لم تكن فقط انعكاساً للأسعار الدولية، بل كشفت أيضاً عن هشاشة آليات التسعير الداخلية، التي غالبا ما تتفاعل بسرعة مع الارتفاعات، لكنها تتباطأ عند الانخفاض.
هذا المعطى أكده مجلس المنافسة، الذي أشار في مذكرة تحليلية حديثة إلى أن نقل تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية يتم بشكل غير متجانس، مع وجود تفاوتات واضحة بين الغازوال والبنزين، ما يعكس اختلالاً في بنية السوق أكثر مما يعكس فقط تأثير العوامل الخارجية.
في المقابل، تجد الحكومة نفسها في موقع المتدخل غير المباشر، إذ ورغم إنهاء دعم المحروقات منذ أكثر من عقد، عادت لتفعيل آلية الدعم الاستثنائي لفائدة مهنيي النقل، للتخفيف من آثار الارتفاعات. وقد عرفت هذه الآلية إقبالا كبيرا، مع تسجيل عشرات الآلاف من الطلبات، ما يعكس حجم الضغط الذي يعيشه القطاع.
لكن الرهان الحقيقي لا يرتبط فقط بتقلبات ظرفية في الأسعار، بل بمدى قدرة السوق الوطنية على عكس هذه التحولات بشكل شفاف وعادل. فإذا كان انخفاض النفط حالياً يشكل فرصة لتخفيف العبء على المستهلكين والمهنيين، فإن غياب آلية واضحة وسريعة لنقل هذا الانخفاض قد يحول دون تحقيق الأثر المنتظر.