متابعة-وكالات
في لحظة تبدو فيها ميتا في أوج قوتها المالية، تكشف تصريحات مارك زوكربيرغ عن مفارقة لافتة: أداء قوي لا يبدد قلق الأسواق. فالشركة التي سجلت إيرادات بلغت 56.3 مليار دولار خلال الربع الأول، تجد نفسها أمام تحديات متشابكة تتجاوز الأرقام، لتطال بنية نموذجها الاقتصادي في ظل تحولات عالمية عميقة.
التباطؤ المتوقع في نمو الإيرادات خلال الربع الثاني، إلى جانب تراجع السهم بنحو 8%، يعكسان حالة ترقب لدى المستثمرين، الذين باتوا يركزون بشكل أكبر على جانب النفقات، خصوصاً تلك المرتبطة بتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فسباق الحوسبة لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية، لكنه يأتي بكلفة مرتفعة في بيئة تتسم بارتفاع أسعار المكونات وضغط الطلب العالمي على قدرات المعالجة.
غير أن العامل التكنولوجي ليس وحده في الواجهة. فالتطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية في إيران، بدأت تلقي بظلالها على سوق الإعلانات الرقمية، المصدر الرئيسي لإيرادات “ميتا”. ارتفاع أسعار النفط يضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين، ما ينعكس مباشرة على إنفاق الشركات الإعلاني، خصوصاً في القطاعات غير الأساسية. وهنا، يظهر الترابط الوثيق بين الاقتصاد الكلي وأداء المنصات الرقمية، في معادلة لم تعد “ميتا” قادرة على عزل نفسها عنها.
إلى جانب ذلك، تبرز تأثيرات تقنية موازية مثل اضطرابات الإنترنت في إيران، التي أثرت على عدد المستخدمين النشطين، وهو ما ينعكس بدوره على مؤشرات التفاعل والعائدات. هذه التفاصيل، التي قد تبدو هامشية، تكشف مدى حساسية نموذج أعمال “ميتا” لأي تغير، حتى وإن كان جغرافيا محدودا.
أمام هذا الواقع، تدخل الشركة مرحلة إعادة ترتيب شاملة للأولويات. لم يعد التحدي يقتصر على تحقيق النمو، بل بات يتعلق بكيفية توزيع الموارد بين الاستثمار في البنية التحتية من جهة، والحفاظ على التوازن الداخلي من جهة أخرى. في هذا السياق، يندرج قرار خفض عدد الموظفين، الذي يعكس توجهاً أوسع داخل قطاع التكنولوجيا، حيث يتم استبدال التوسع البشري بتكثيف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
التحول الأعمق يكمن في طبيعة العمل نفسها. فبفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت فرق أصغر قادرة على إنجاز مهام كانت تتطلب سابقاً موارد بشرية أكبر، ما يمنح الشركة مرونة تشغيلية، لكنه يفرض في المقابل إعادة تعريف دور الموظف داخل المنظومة الرقمية. إنها نقلة من “اقتصاد الوظائف” إلى “اقتصاد الكفاءة التقنية”.
وفي موازاة ذلك، تراهن “ميتا” على توسيع محفظة تطبيقاتها، بعد سنوات من التركيز على منصات رئيسية مثل فيسبوك وإنستغرام وواتساب. هذا التوجه يعكس محاولة لفتح آفاق نمو جديدة، مستفيدة من الطفرة في الذكاء الاصطناعي، في سوق باتت المنافسة فيه أكثر تعقيدا وتشبعا.