سعيد اليوسفي-الرباط
مع الاضطرابات الدولية وتقلب أسعار الطاقة، أصبحت أوروبا تبحث عن مصادر غاز بديلة لتأمين احتياجاتها ، أزمات الغاز الأخيرة مثل النزاع في أوكرانيا، أظهرت هشاشة الاعتماد على مصدر واحد وأهمية تنويع الإمدادات. في هذا الإطار، يبرز مشروع أنبوب الغاز النيجيري -المغربي كخيار استراتيجي يربط غرب إفريقيا بأوروبا، مستفيدا من احتياطات نيجيريا والاكتشافات الجديدة في موريتانيا والسنغال، ويعزز دور المغرب كمنصة طاقية إقليمية. المشروع لا يقتصر على النقل فقط، بل يدعم التكامل الطاقي الإقليمي والتنمية المشتركة للدول الممرية. أجرينا هذا الحوار مع الأستاذ و الخبير الإقتصادي بدر الزاهر الأزرق لتوضيح أهميته والتحديات المرتبطة به.
ما أهمية مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي بالنسبة للأمن الطاقة الأوروبي في ظل التوترات الدولية الحالية؟
بدر الزاهر : يشكل مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي أحد أهم المبادرات الطاقية في الفضاء الأورو-إفريقي خلال العقود الأخيرة، ليس فقط لطوله الجغرافي، بل لدلالاته الجيو-اقتصادية في ظل اضطراب أسواق الطاقة وتصاعد التوترات الدولية بعد الحرب في أوكرانيا. تواجه أوروبا اليوم تحديًا في تأمين مصادر بديلة للغاز، بعيدًا عن الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة المرتفع التكلفة أو الإمدادات الشرق أوسطية المعرضة للمخاطر الإقليمية، ما يجعل الأنبوب النيجيري–المغربي خيارًا استراتيجيًا يعزز أمنها الطاقي بشكل أكثر توازنًا.
يتميز المشروع بتنوع مصادره؛ إذ يعتمد على احتياطات ضخمة في نيجيريا ويمر عبر دول إفريقية ساحلية، مع إمكانية الربط مستقبلاً بحقول غاز في موريتانيا والسنغال. هذا التنوع يقلل مخاطر الانقطاع ويعزز استقرار الإمدادات. كما يمنح المسار الأطلسي البحري للأنبوب حماية إضافية مقارنة بالممرات التقليدية في الشرق الأوسط أو شرق أوروبا، ما يقلص فرص التعطيل أو الابتزاز السياسي. من ناحية التكلفة، يوفر المشروع غازًا أكثر تنافسية مقارنة بالغاز المسال الذي يحتاج لاستثمارات إضافية في التسييل والنقل وإعادة التغويز، ما يجعله خيارًا اقتصاديًا مستدامًا لأوروبا.
على المستوى الاستراتيجي، يعزز المشروع دور المغرب كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا بفضل موقعه وبنياته التحتية، ومنها مركب “الناظور غرب المتوسط” للتخزين وإعادة التصدير، ليصبح منصة طاقية إقليمية قادرة على تأمين جزء من احتياجات السوق الأوروبية. كما يساهم المشروع في التنمية الإقليمية عبر كهربة الدول الإفريقية التي يمر بها وتحفيز الاستثمار الصناعي وتعزيز التكامل الإقليمي.
أنبوب الغاز النيجيري المغربي ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل رهان استراتيجي متعدد الأبعاد: أداة لتنويع مصادر الطاقة الأوروبية، وتقليل التبعية لمصادر غير مستقرة أو مرتفعة التكلفة، ومنصة لإعادة رسم التوازنات الطاقية بين الشمال والجنوب، مع إمكانية أن يصبح أحد الأعمدة الرئيسة لأمن الطاقة الأوروبي في العقود المقبلة.
كيف يمكن لمشروع الغاز المغربي النيجيري أن يقلل اعتماد أوروبا على المصادر التقليدية مثل الغاز الروسي؟
بدر الزاهر :يمكن القول إن مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي يندرج ضمن التحولات العميقة التي تعرفها الاستراتيجية الطاقية الأوروبية، خاصة بعد الأزمات المتلاحقة التي كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على الغاز الروسي. فالأمر لا يتعلق فقط بإيجاد بديل ظرفي، بل بإعادة بناء منظومة التزود على أسس أكثر تنوعًا واستدامة، وفي هذا الإطار، يساهم المشروع في إدخال غرب إفريقيا كقطب جديد ضمن خريطة إمدادات الغاز نحو أوروبا، مستفيدًا من الاحتياطات الكبيرة التي تتوفر عليها نيجيريا، ومن الاكتشافات الحديثة في كل من موريتانيا والسنغال؛ هذا التنويع في المصادر يحدّ بشكل مباشر من منطق التبعية لمورد واحد، وهو ما يشكل جوهر الإشكال الذي واجهته أوروبا في علاقتها السابقة مع الغاز الروسي، كما أن الطبيعة الجغرافية للمشروع تمنحه قيمة مضافة مهمة، إذ يعتمد في جزء كبير منه على مسار أطلسي، ما يقلص من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالأنابيب البرية العابرة لمناطق التوتر كما سبقت الإشارة لذلك، ويجعل الإمدادات أكثر استقرارًا وأقل عرضة للاضطرابات أو الضغوط السياسية.
من جهة أخرى، يعزز هذا المشروع مرونة السوق الأوروبية، سواء من حيث تنويع الشركاء أو من حيث أنماط التسعير والتعاقد، وهو ما يحدّ من قدرة أي طرف على احتكار السوق أو فرض شروطه. وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط قوته، إذ لا يقتصر دوره على تعويض الغاز الروسي، بل يساهم في إعادة توازن سوق الغاز الأوروبية ككل، ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يمكن أن يضطلع به المغرب في هذا السياق، باعتباره منصة طاقية تربط بين إفريقيا وأوروبا، خاصة مع تطوير بنياته التحتية، مثل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، بما يعزز قدرته على التخزين وإعادة التوجيه وتأمين الإمدادات.
ما التحديات اللوجستية والسياسية التي قد تواجه تنفيذ أنبوب الغاز وتأمين إمدادات مستقرة لأوروبا؟
بدر الزاهر : سؤال في غاية الأهمية، لأن الرهان الحقيقي لمشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي لا يكمن فقط في جدواه الاقتصادية أو الاستراتيجية، بل في قدرته على تجاوز حزمة معقدة من التحديات اللوجستية والسياسية التي قد تؤثر على وتيرة تنفيذه واستدامة إمداداته نحو أوروبا؛ من الناحية اللوجستية، نحن أمام مشروع عابر لآلاف الكيلومترات، يمر عبر عدد كبير من الدول الإفريقية، ويمزج بين المقاطع البرية والبحرية، وهو ما يطرح تحديات تقنية ومالية كبيرة؛ فبناء أنبوب بهذا الحجم يتطلب استثمارات ضخمة، وتنسيقًا عالي المستوى بين أنظمة قانونية وبنى تحتية متفاوتة التطور، كما أن المقاطع البحرية، رغم ما توفره من أمان جيوسياسي نسبي، تظل معقدة تقنيًا، خاصة في ما يتعلق بأعماق المحيط، والصيانة الدورية، ومخاطر التآكل أو الأعطال التقنية؛ إلى جانب ذلك، يطرح تأمين التمويل أحد أبرز التحديات، إذ إن كلفة المشروع تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، ما يفرض تعبئة شراكات دولية معقدة تشمل مؤسسات مالية، وصناديق استثمار، وشركات طاقة كبرى. وفي ظل التحولات العالمية نحو الطاقات المتجددة، قد يتردد بعض المستثمرين في ضخ أموال ضخمة في مشاريع غازية طويلة الأمد، ما لم يتم تقديم ضمانات قوية بشأن الجدوى والاستقرار.
أما على المستوى السياسي، فالتحدي الأكبر يتمثل في طبيعة المشروع كمسار عابر لعدة دول، لكل منها أولوياتها وحساسياتها السياسية، فنجاح المشروع يفترض درجة عالية من التنسيق الإقليمي، واستقرارًا سياسيًا وأمنيًا في الدول التي يمر عبرها، وأي توتر سياسي، أو تغيير في الحكومات، أو نزاعات داخلية، قد يؤثر على سير المشروع أو يهدد استمرارية الإمدادات، كما أن المشروع قد يواجه منافسة جيوسياسية من أطراف دولية تسعى للحفاظ على حصصها في السوق الأوروبية، سواء من خلال الغاز الطبيعي المسال أو عبر مشاريع أنابيب بديلة. هذا التنافس قد يتخذ أحيانًا طابعًا غير مباشر، عبر التأثير على التمويل، أو توجيه الاستثمارات، أو حتى الضغط السياسي.
إضافة إلى ذلك، تبرز إشكالية الحكامة والتدبير المشترك، حيث يتطلب المشروع إطارًا مؤسساتيًا واضحًا يحدد حقوق وواجبات كل طرف، وآليات تسوية النزاعات، وضمانات استمرارية الإمدادات. فبدون حكامة فعالة، قد يتحول تعدد الفاعلين من نقطة قوة إلى مصدر تعقيد؛ ولا يقل البعد الأمني أهمية، إذ إن حماية البنية التحتية الطاقية، خاصة في بعض المناطق التي تعرف هشاشة أمنية، تظل تحديًا قائمًا. فخطوط الأنابيب، سواء البرية أو البحرية، قد تكون عرضة لمخاطر التخريب أو القرصنة أو الاضطرابات المحلية، وهو ما يستدعي استثمارات إضافية في أنظمة المراقبة والحماية.
ورغم هذه التحديات، ينبغي التأكيد أن المشروع يحمل في طياته أيضًا عناصر قوة مهمة، أبرزها طابعه التكاملي والتنموِي، الذي قد يشكل حافزًا للدول المعنية للحفاظ على استقراره. كما أن تنامي حاجة أوروبا لتنويع مصادرها الطاقية قد يوفر دعمًا سياسيًا وماليًا إضافيًا لتجاوز هذه الإكراهات.