الرباط – متابعة
لم تعد السيادة الاقتصادية في المغرب مجرد شعار يرتبط بالأمن الغذائي أو الصناعي، بل تحولت إلى خيار استراتيجي يقود السياسات الإنتاجية للمملكة في ظل عالم يشهد تصاعد النزعات الحمائية واضطراب سلاسل التوريد العالمية. وفي هذا السياق، أكد الملك محمد السادس، في خطاب العرش، أن المغرب جعل من تعزيز الاكتفاء الاستراتيجي وتقوية القاعدة الصناعية الوطنية أحد أبرز محاور المرحلة الجديدة، بما يضمن تقليص التبعية الخارجية ورفع قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات.
ويأتي هذا التوجه استجابة لتحولات عميقة يعرفها الاقتصاد العالمي، حيث دفعت الأزمات الصحية والجيوسياسية المتلاحقة عددا من الدول إلى إعادة النظر في نماذجها الإنتاجية، والرهان على توطين الصناعات الحيوية وتأمين سلاسل الإمداد.ومن هذا المنطلق، اختار المغرب توسيع قدراته الصناعية في القطاعات ذات الطابع الاستراتيجي، بدل الاكتفاء بدور منصة للتجميع أو التصدير. وتكشف المؤشرات التي أوردها الخطاب الملكي حجم هذا التحول، إذ أصبحت الصناعات الغذائية والدوائية تؤمن ما يقارب 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، وهو مستوى يعكس تطور القدرة الإنتاجية المحلية، ويحد من الاعتماد على الواردات في قطاعات ترتبط مباشرة بالأمن الصحي والغذائي للمملكة.
ولا يتوقف الرهان عند الصناعات التقليدية، بل يمتد إلى مجالات أكثر ارتباطا بالتحولات التكنولوجية والأمنية، بعدما أعلن الملك محمد السادس عن التوجه نحو إرساء قاعدة صناعية وتكنولوجية في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، باعتبارها مجالات قادرة على تعزيز السيادة الدفاعية للمغرب، وفي الوقت نفسه خلق منظومات صناعية جديدة ذات قيمة مضافة مرتفعة. ويعكس هذا التوجه تحولا في فلسفة السياسة الصناعية، إذ لم يعد الهدف مقتصراً على رفع الإنتاج أو جذب الاستثمارات، وإنما بناء منظومات إنتاج متكاملة قادرة على تطوير التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، واستقطاب صناعات متقدمة، بما يرفع تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
ويتقاطع هذا المسار مع الدينامية التي تعرفها القطاعات الصناعية الأخرى، وفي مقدمتها السيارات والطيران والطاقات المتجددة، وهي قطاعات نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ موقع المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية، وأسهمت في تنويع الصادرات ورفع مساهمة الصناعة في خلق الثروة وفرص الشغل.كما ينسجم هذا الخيار مع توجه المملكة نحو تقوية الاكتفاء الاستراتيجي، عبر تشجيع الاستثمار المنتج، وتحفيز التصنيع المحلي، وتقليص هشاشة الاقتصاد أمام التقلبات الخارجية، في وقت أصبحت فيه القدرة على الإنتاج المحلي عاملاً حاسما في تعزيز تنافسية الدول وحماية مصالحها الاقتصادية.
وفي المقابل، يفرض هذا التحول مواصلة الاستثمار في الابتكار والبحث العلمي ورأس المال البشري، إلى جانب توفير التمويلات الضرورية للمقاولات الصناعية، حتى تتمكن من مواكبة التحولات التكنولوجية والاندماج في الصناعات المستقبلية ذات القيمة المضافة المرتفعة. وفي هذا السياق، يقدم الخطاب الملكي تصورا لمرحلة جديدة لا تقاس فيها قوة الاقتصاد بحجم النمو فقط، بل بقدرته على إنتاج احتياجاته، وتطوير صناعاته، وتعزيز استقلاليته في القطاعات الحيوية، بما يجعل السيادة الاقتصادية إحدى الركائز الأساسية للنموذج التنموي المغربي خلال السنوات المقبلة.