الرباط – متابعة
احتضنت أشغال الدورة الرابعة لمنتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو متوسطية والخليج، يوم أمس السبت بمراكش، جلسة خصصت لتسليط الضوء على التجربة المغربية في مجال الاقتصاد الأزرق باعتبارها نموذجا للتنمية وخلق فرص الشغل، في سياق يتزايد فيه الرهان على تثمين المؤهلات البحرية وتحويلها إلى رافعة للنمو المستدام.
وشكلت الجلسة المخصصة لموضوع “تعزيز خلق فرص الشغل عبر الاقتصاد الأزرق” مناسبة لاستعراض آفاق تطوير البنيات التحتية المينائية وتعزيز الربط البحري وحماية السواحل، إلى جانب النهوض بمنظومة مينائية قادرة على خلق القيمة وفرص الشغل، ضمن تصور يضع البحر في قلب السياسات التنموية.
وفي كلمة بالمناسبة، أبرز ممثل وزارة التجهيز والماء، “محمد بصراوي”، الدور المحوري للموانئ في السلسلة اللوجستية وفي تنمية المناطق الساحلية، مذكرا بمساهمتها المباشرة في دينامية الاقتصاد الأزرق وخلق الفرص الاقتصادية، باعتبارها لم تعد مجرد فضاءات عبور بل مراكز إنتاج وتأثير اقتصادي.
وسلط السيد بصراوي الضوء على المؤهلات الاستراتيجية للمغرب، الذي يتوفر على 3500 كيلومتر من السواحل وشبكة تضم 44 ميناء، من بينها 14 ميناء مفتوحا أمام التجارة الدولية، موضحا أن المملكة تحتل المرتبة الثالثة والعشرين عالميا من حيث الربط البحري، وهو ما يعكس تموقعا متقدما في الاقتصاد البحري العالمي.
وفي هذا السياق، استعرض أبرز منجزات الاستراتيجية الوطنية للموانئ في أفق سنة 2030، والتي مكنت من إحداث ستة أقطاب مينائية جهوية وإنجاز مشاريع مهيكلة، لا سيما موانئ الناظور غرب المتوسط وآسفي والداخلة الأطلسي، مبرزا استثمارات مينائية تناهز 40 مليار درهم تشمل توسيع وتحديث البنيات التحتية القائمة وتطوير سلاسل إنتاج جديدة، خاصة الصناعة البحرية والهيدروجين الأخضر.
من جانب آخر، نبه بصراوي إلى هشاشة السواحل أمام آثار التغيرات المناخية، وما تفرضه من كلفة متزايدة لحماية البنيات الساحلية، داعيا إلى تعزيز التعاون الأورو متوسطي وتطوير آليات تمويل مبتكرة تضمن مرونة واستدامة البنيات التحتية المينائية.
من جهتها، أشادت مديرة مركز الأنشطة الإقليمية لبرنامج الإجراءات ذات الأولوية، “داريا بوفشكوغور”، بتجربة المغرب في تدبير المناطق الساحلية، واصفة إياه بـ”الرائد” في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بفضل إطاره القانوني الخاص بالساحل وتفعيل المخططات الجهوية، خاصة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، معتبرة أن هذه المقاربة توازن بين التنمية والاستدامة وخلق فرص الشغل.
وأشارت إلى أن الانتقال نحو الاقتصاد الأزرق يفتح آفاقا لمهن جديدة مرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي والتنوع البيولوجي واستعادة النظم البيئية، مؤكدة أن الاستثمارات في تعزيز المرونة البيئية تدر عوائد اقتصادية واجتماعية مهمة.
كما دعت إلى تسريع توسيع نطاق هذه المبادرات عبر شراكات بين الدول والمؤسسات المالية والقطاع الخاص، لافتة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الحلول، بل في القدرة على تنزيلها على نطاق واسع.
أما مدير مركز الدراسات (SRM) التابع لمجموعة “إنتيسا سان باولو”، “ماسيمو دياندريس”، فقد اعتبر أن المغرب يشكل نموذجا في منطقة البحر الأبيض المتوسط بفضل مقاربته المندمجة لتطوير الموانئ، مؤكدا أنها لم تعد مجرد بنيات تحتية للنقل، بل أصبحت منظومات اقتصادية متكاملة قادرة على تحفيز النمو والابتكار والتشغيل.
وذكر بأن الاقتصاد الأزرق يمثل رافعة أساسية للتنمية، مستشهدا بالاتحاد الأوروبي حيث يساهم بنسبة 4.8 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي و4.6 بالمائة من فرص الشغل، وهي مؤشرات تعكس حجم الرهان الاقتصادي للقطاع.
وفي معرض حديثه عن المركب المينائي طنجة المتوسط، الذي وصفه بـ”النموذج المثالي الذي يحتذى به”، اعتبر أن سر نجاحه يكمن في قدرته على استقطاب الاستثمارات الصناعية وهيكلة منظومة اقتصادية متكاملة وخلق فرص شغل مستدامة، مشيرا إلى أنه وفر نحو 145 ألف فرصة شغل جديدة، خاصة في قطاع صناعة السيارات.
وأكد أن التجربة المغربية تثبت أن الميناء يتجاوز كونه بنية تحتية، ليصبح ركيزة لإقلاع اقتصادي حقيقي على المستوى المحلي، ورافعة للتنافسية والدينامية الاقتصادية ضمن منظومة الاقتصاد الأزرق.